رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

فكر القفة عند الشيخ قفة

منذ أشهر قليلة تعرضت فتاتان فى مترو الأنفاق للعنف اللفظى، وكاد الأمر أن يصل للتعدى البدنى من سيدة منتقبة كانت تستقل معهما المترو؛ لأنهما غير محجبتين.. وبعدها بقليل تعرضت فتاة فى أحد الأقاليم للعنف من صيدلى حينما دخلت الصيدلية لتشترى دواء؛ لأنها غير محجبة وتعدى عليها بالضرب وصفعها على وجهها، لأنها لا تغطى شعرها وذراعيها فى رمضان.. لن أخوض فى تفاصيل الوقائع نفسها؛ لأنها لا تحتاج إلى شرح.. ولكن الحديث هنا عن تعليقات الجمهور على التقارير الصحفية المصورة أو المكتوبة التى تناولت هذه الوقائع، والتى كانت مرعبة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.. تعليقات تجعلك تأسف على الماضى وتحزن على الحاضر وتخشى المستقبل.. مهينة ليس للمرأة فقط ولكن للرجال أيضًا بل لمصر العريقة.

التعليقات كانت تدل على ما يعشش من ظلام فى عقول ونفوس الناس بالفعل.. وتشير إلى تصورات ومفاهيم البعض عن النساء، عن التطرف الذى لا يتصور أحد أنه موجود بهذا الشكل، وبالمناسبة التعليقات لم يكن أصحابها رجالًا فقط، بل للأسف الشديد كانت لسيدات وفتيات قمن جميعًا بجلد الضحية وتمجيد الجناة الذين تعدوا عليها، كُن يرين أن الفتيات يستحققن ما جرى لهن، لأنهن غير محجبات، وكأن قطعة القماش هذه هى صك الشرف وطوق النجاة.

كما كانت التعليقات أساسًا عبارة عن تحريض مباشر وغير مباشر على العنف ضد النساء، بما تحمله من قسوة ظهرت فى تعليقات مثل "تستاهلى الدبح مش الضرب" وأيضًا "الست معاها حق وإزاى تشتم بس كان لازم تتقطعوا"، ده غير التعبيرات الأخرى مثل "اتقوا الله فى أجسامكن"، "ربنا يباركلك أنك عملت كدا"، "ربنا يسترك يا دكتور إنك غيرت المنكر بإيدك"، المشكلة الحقيقية هنا أن هؤلاء القوم وهذه العقليات هم جيراننا ومعارفنا وصاحب محل البقالة الذى نشترى منه احتياجاتنا، وسائق التاكسى وهذه السيدة الجالسة بجانبك فى أى وسيلة مواصلات، والشاب الذى يقف بجوارك فى الأسانسير، المشكلة أنهم حولنا فى كل مكان، هم المحيطون بنا من حيث ندرى أو لا ندرى. 

هل تعرف معنى ذلك؟ هل تدرك حجم المصيبة؟ كيف نأمن على أنفسنا نحن النساء أن نسير فى الشارع ونتعامل مع هذا وذاك وهو يضمر لنا هذه الأفكار والتصورات الناقمة عنا نحن النساء، ما إن تأتيه الفرصة حتى يفتك بنا، كيف تأمن على ابنتك عند خروجها إلى الشارع دون أن يتعرض لها الذباب على اعتبار أنها حلوى مكشوفة، ويجب أن تصبح قفة حتى لا تذبح.. وهل أصبحنا جميعًا نحن النساء الضحية القادمة لفكر القفة؟!

مَن هؤلاء الأوغاد الذين انغرسوا فى وادينا الطيب؟ يبدو أن المسألة بدأت من سبعينيات القرن الماضى التى تعد بداية فعلية لانتشار الفكر المتشدد فى مصر، وهؤلاء هم الأجيال التى ولدت فى السبعينيات وما بعدها، فقد تربوا فى مصر التى ارتدت الحجاب ومن بعده النقاب وأخيرًا يدعوها الأوغاد لتصبح قفة، وبعد واقعة جامعة المنصورة التى ذبحت فيها فتاة عمرها عشرون عامًا لسبب ليست له علاقة بما ترتديه، بل بسبب أن شخصًا عشقها لدرجة الجنون وعندما رفضته ذبحها حتى لا تكون لأحد غيره، ولكن الأخ المتدين بطبعه ترك القصة الحقيقية ودماءها التى أهدرت وراح يجلدها هى الضحية المذبوحة لأنها غير محجبة.. لدرجة أن بعض الصفحات على السوشيال ميديا ركبت الحجاب على صورها وبعضها ظلل رأسها بالسواد حتى يخفى شعرها، لتشعر أننا نحن الذين نعيش وسطهم وليسوا هم من يعيشون وسطنا، وإذا كان بعض القنوات التليفزيونية تفتح ساعات لمن يطلق عليهم الشيخ فلان والداعية علان ليخرج علينا أحدهم فى حوار متدنٍّ وسوقى للغاية ويقول «بتفردى شعرك لمين يا بت» وآخر يقول على السوشيال ميديا «ممكن يشوهك يكتفك يستعبدك يحرمك من جمالك هو الأقوى»، ولأنهم لا يحاسبون فقد تمادوا وحققوا ما يريدون من شهرة ومكاسب مادية عبر هذا التحريض العلنى، فقد وصل بهم الأمر بعد واقعة الفتاة نيرة أن يدعو أحدهم النساء أن يخرجن فى شكل قفة حتى لا يذبحن أو يتعرضن للعنف من الرجال، على أساس أن رجال مصر هم ذئاب بشرية تنهش أى أنثى لا تخرج فى صورة قفة.

هل يدرك أحد ما صدى ذلك على السياحة والاستثمارات فى مصر، هل يعلمون أنهم يشوهون دولة ومجتمعًا، وأن لهذا التشويه آثارًا سلبية على الاقتصاد، بالطبع لا يهمهم الأمر أساسًا ولكنه يهم المسئولين فى الدولة الذين عليهم التحرك بشكل عاجل لا يحتمل التأخير ضد هؤلاء القتلة والمحرضين والمشوهين لصورة مصر.

وعلى الرغم من أن القانون المصرى يجرم التحريض على العنف، إلا أن التحريض يحدث علنًا، وللأسف النساء فى مجتمعاتنا العربية ناقصات عقل ودين، وبالتالى لا يصدقهن أحد ويعتبر ما يقُلنه مجرد ثرثرة نسوية، وهناك وقائع لسيدات ذهبن لأقسام الشرطة أو لأهلهن ليشتكين شخصًا متربصًا بهن، ولكن لا يؤخذ كلامهن على محمل الجد، وهو ما يراكم المشكلات ويفجر الأزمات.

المرأة لا ينظر إليها باعتبارها كائنًا حيًا لها كل الحقوق وعليها الواجبات، بل هى شىء يملكه الرجل ولكن لا يمكنه من التملك، وأعتقد ما يحدث فى مسألة الميراث تحديدًا عندما يمنع البعض النساء من حقهن فى الميراث يشير إلى أن الدين ليست له علاقة فيما تتعرض له المرأة فى المجتمعات الإسلامية بشكل خاص، لأن الدين الإسلامى قال «للذكر مثل حظ الأنثيين».

ما يحدث من انتهاكات للمرأة ليست له علاقة بالدين الذى دعا إلى غض البصر، بل بتربية وتكريس لمعلومات ومفاهيم خاطئة، التى انتقلت إلى مصر دون التصدى لها، فأصبح حتى بعض الأشخاص الذين نقابلهم فى حياتنا اليومية، سواء فى العمل أو الشارع وأى مكان لا يحترم المرأة بداخله بشكل حقيقى، يدعى أنه يحترمها ولكن عندما تناقشه بالصدفة فى موضوع ما يخرج ما بداخله من بين السطور، فتجده لا يقدر أى فتاة أو سيدة ويرى أنهن جميعًا سيئات السير والسلوك، رغم أنها ترتد إليه لأن والدته وأخته سيدات أيضًا، أو تجده لا يؤمن بعمل النساء ولا يثق فيهن فى العمل، وأن الست المفروض تتزوج وتنجب فقط.. لذلك نحتاج لتغيير بنية العقول والمفاهيم على كل المستويات، والتصدى بشكل رادع للمحرضين، فإن تقدم أى دولة أو مجتمع يبدأ بحرية المرأة.