رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

سعاد الموجوعة بين رجلين.. حب ميئوس منه للعندليب ثم قدوة مفقودة مع رحيل الشاعر

سعاد حسنى
سعاد حسنى

فى يوم من أيام سنة ١٩٥٩ وبينما كان صلاح جاهين يجلس مع أصدقائه فى سينما ديانا يشاهد فيلم عبدالرحمن الخميسى عن قصة حسن ونعيمة الشهيرة.. وعندما بدأ الفيلم وظهرت بطلته على الشاشة.. فتاة صغيرة لم تتعدَّ الستة عشر عامًا ذات ملامح طفولية بريئة.. صرخ صلاح فى صديقه الذى يجلس بجانبه: 

«دى مين دى؟»

رد عليه قائلًا: اسمها سعاد حسنى فقال صلاح: دى هتكسر الدنيا.

انتهى الموقف، كما حكاه صلاح، وصدقت نبوءته وأصبحت سعاد حديث الشارع بعد هذا الفيلم. ورشحها هذا النجاح لكى تشارك فى العام التالى بداية الستينيات فيلمًا للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ الذى كان قد استتبت له القمة الغنائية والسينمائية.

كان الفيلم هو «البنات والصيف» لم تكن سعاد فيه البطلة الأولى حيث كانت أخت البطل.. لكن على ما يبدو أن شيئًا ما حدث فى قلب الاثنين خلف الكاميرات، وبدأت تتكون بذرة قصة حب مُلغزة لن تحل عقدتها أبدًا بعد ذلك. 

لكن بعد أكثر من دليل وموقف بدا لسعاد أن حبها الكبير لهذا الرجل لن يكتب له نجاحًا لظروف سنتكلم عنها لاحقًا، مستعينين بما جادت عليه بعض سطور كتبت فى المجلات على لسان الاثنين.

ثم جاءت الستينات بكل عنفوانها فصالت سعاد وجالت فيها طولًا وعرضًا لتصنع جُلّ مجدها الفنى من حيث الكم.. حتى جاءت السبعينيات وجاء معها اليوم الذى قابلت فيه ذلك الرجل الذى أعجب بطلّتها الأولى فى سينما ديانا منذ سنوات.. أتذكرونه؟.. نعم هو صلاح جاهين.

فى موقف قدرى للغاية كان صلاح جاهين يعالج من الاكتئاب فى روسيا بعد آثار نكسة يونيو التى كسرت حلمه وأفقدته الإيمان بكل ما يكتب، وفى نفس الوقت كان المخرج العالمى يوسف شاهين يصور فيلم «الناس والنيل» عن معجزة السد العالى فى موسكو، وبينما كان يجلس شاهين مع بطلة فيلمه سعاد حسنى قال لها «ماتيجى نزور صلاح جاهين فى المستشفى»، وبالفعل صافحت سعاد لأول مرة معجبها الأهم والأول بعد أكثر من ١٠ سنوات من مشاهدته لها فى سينما ديانا فى وسط القاهرة، ولم يتقابلا وجهًا لوجه طوال عقد كامل لكنهما احتاجا أن يذهبا لبلاد الصقيع فى روسيا حتى يتقابلا.

وبدأت هنا علاقة من نوع شديد الخصوصية بين الاثنين .. وكأنهما وجدا بعضهما البعض أخيرًا بعد طول معاناة.. فسعاد على ما يبدو وجدت فيه الحضن الذى يستوعب كل انكساراتها المختزنة داخلها وأولها حبها القديم مع حليم دون أن يطلب مقابلًا لذلك.. وصلاح وجد فى سعاد سلوانه وعزاءه عن كسرة قلبه وحلمه من وقع النكسة.

وبينما كانت تلك المقابلة الحتمية تتم بين سعاد وصلاح فى بداية السبعينيات، كان هناك شخص ثالث يعانى من ثقل وطأة المرض وهو عبدالحليم الذى ازداد مرضه شراسة وازداد حليم وهنًا وضعفًا فى مواجهته.

حتى جاءت سنة ١٩٧٧ بالخلاص لجسد العندليب المنهك، بينما كانت سعاد وصلاح يجهزان رائعتهما «شفيقة ومتولى»، الفيلم الذى أصبح من أيقونات السينما المصرية.

ثم تمر السبعينيات بحلوها ومرها وتزداد سعاد التصاقًا بصلاح جاهين ويصبح هو الملجأ الوحيد لها حتى قرر هو بملء إرادته أن يتركها ويترك الدنيا مكتئبًا ومكتفيًا فى سنة ١٩٨٦ لتجد سعاد نفسها وحيدة دون سند.. وتمر بها السنوات ثقيلة إلى أن اكتفت هى الأخرى من كل شىء فى بداية الألفية عندما قررت أن تلقى الدنيا خلف ظهرها، ثم تلقى نفسها من بلكونة كئيبة فى مدينة الضباب.

بالتأكيد حياة السندريلا دخلها رجال كثيرون، لكن بقى حليم وصلاح هما الرجلان الأكثر تأثيرًا فى حياتها ومماتها.

 

 

حليم.. وما حبيب إلا الحبيب الأول

أن تكون هناك ثرثرة حول علاقة حب وزواج محتمل بين عبدالحليم وسعاد حسنى، فذلك لم يكن بالخبر الهين على الصحافة الفنية فى الستينيات.. وظل هذا الأمر محور تساؤل دائم ظل يوجّه للاثنين عند أى حوار يجرى مع أى منهما.. حتى بعد وفاة حليم كانت أيضًا سعاد تصطدم طول الوقت بنفس السؤال.

لكن هل إلحاح هذا السؤال وطفوه على السطح بهذا الشكل يأتى من فراغ؟.. بالطبع لا.

فعلاقة حليم مع سعاد أكدها جميع من اقترب منهما.. الكل قال وأزبد فى تفاصيل التفاصيل.. لكن الغريب أن الوحيدين اللذين كانا طوال الوقت حريصين على نفى الأمر برمته هما حليم وسعاد.

صحفيًا فإن عدد الكواكب الصادر فى أكتوبر ١٩٦١ هو عدد فارق فى تاريخ تلك العلاقة، حيث حوت المجلة داخلها موضوعين أو قالبين صحفيين بدا أنهما ليست لهما علاقة ببعضهما البعض.. لكنهما فى الحقيقة كان مقصودًا أن يكونا ردًا غير مباشر على نفى ذلك الخبر المؤكد بالضرورة.

القالب الصحفى الأول كان تحقيقًا بديعًا أجراه الصحفى فوميل لبيب بعنوان دقات قلب الفن.. وهو تحقيق شامل عن علاقات الحب والخطوبة والزواج فى العام السابق لصدور المجلة وتحدث فوميل عن فاتنات السينما وقتها مثل ماجدة وزبيدة ثروت وسميرة أحمد ولبنى عبدالعزيز.. لكن من تهمنا هنا هى سعاد حسنى وننقل نص ما قاله «كانت سعاد حسنى فى بدء حياتها الفنية مبهورة بالأسماء اللامعة حتى وجدت أنها مخدوعة فى تلك الأسماء اللامعة.. الوحيد الذى لم تنخدع فيه.. الوحيد الذى لمس قلبها بحنان وأحاطها بالحب صامتًا أو متكلمًا صريحًا أو ضمنيًا، ولكنه وقور وطيب ومتكتم فى كل الأحيان.. الوحيد الذى توقف عنده قلبها بملء الإعجاب والتقدير هو عبدالحليم حافظ! وقد التقيا فى فيلم البنات والصيف وقيل بعدها عبدالحليم وسعاد حسنى يعيشان قصة حب.. وهو حب هادئ لا تسمع له ضجيجًا.. حب من سماته أنه ملفوف فى الغموض فإذا نفاه أحد الطرفين فلا لوم عليه وإذا أفشاه لم يجد الدليل عليه.. ولكن الحب كالزكام لا يمكن أن يختبئ».

ثم ينهى فوميل كلامه عن سعاد بقوله «واليوم الخبر بفلوس وبكرة ببلاش».

والحقيقة أن جملة صحفى الكواكب الأخيرة لم تتحقق، لأن الخبر لم يصبح ببلاش حتى هذه اللحظة التى نتكلم عنها.

ما زلنا فى نفس عدد الكواكب لنذهب إلى القالب الصحفى الآخر، وهو حوار صريح على صفحتين مع عبدالحليم حافظ وعنوانه الرئيسى «عبدالحليم حافظ يتحدث بصراحة».

ولكن على ما يبدو أن العنوان لم يكن صادقًا أو دالًا عما فعله حليم فعليًا عندما سأله محرر الكواكب من ضمن أسئلته سؤالًا صريحًا ومباشرًا، قائلًا «هل تحب سعاد حسنى؟ رد حليم ردًا سريعًا بقوله: أبدًا لا سعاد ولا غير سعاد».

حاصره المحرر بسؤال آخر ومتى تحب؟ قال حليم: وهو الحب له مواعيد!

نترك هنا عدد الكواكب هذا ونقفز إلى بداية سنة ١٩٦٧ حيث كان حليم عائدًا من رحلته العلاجية الطويلة فى لندن ليتلقفه الصحفى بالكواكب صلاح البيطار، ويسأله أسئلة كثيرة من ضمنها سؤال قديم جديد وإن كانت صياغته لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بسعاد حسنى، حيث سأله عن صحة ما كان يتم تداوله فى الصحافة اللبنانية المزدهرة حينها بأنه سيتزوج من الوسط الراقى؟.. فضحك حليم وقال للبيطار «إشمعنى من الوسط الراقى هو أنا هتجوز وسط ولا إنسانة تفهمنى وتقدرنى، ثم يقول البيطار وأكد لى عبدالحليم فى النهاية أنه لن يتزوج ولا يفكر فى هذا الموضوع مطلقًا، لأنه مش فاضى للزواج وحرام أن يتزوج إنسانة ليغضبها منه».

كل المؤشرات تقول إن حليم كان هو الحب الوحيد الحقيقى فى حياة سعاد، وبالتأكيد حاولت السندريلا أن تنساه بزيجاتها المتعددة بعد ذلك، وبعضها كان غير متكافئ تمامًا مثل زواجها من زكى فطين عبدالوهاب، ابن ليلى مراد، والذى كان شابًا جامعيًا فى بداية العشرينيات من عمره.. لكنها على ما يبدو كانت تحاول الخروج من أسر قصتها القديمة مع حليم، والمؤكد أن حليم كان العنصر الأساسى فى عدم اكتمال تلك القصة، سواء تُوجت بزواج، كما يؤكد مفيد فوزى أو لم تصل إلى حد الزواج، كما يؤكد أصدقاء حليم المقربون مثل مجدى العمروسى ووجدى الحكيم.

والأخير له تصريح تليفزيونى مهم جدًا قد يكون فيه حل لغز عدم اكتمال قصة حب سعاد وحليم حيث يقول وجدى الحكيم، وهو صديق مقرب جدًا من العندليب، إن حليم كان تقدميًا جدًا فى كل شىء إلا الحياة الأسرية.. فروح الفلاح ابن الشرقية الغيور على أهل بيته تتلبّسه حينها، ودلل على ذلك أنه لم يكن يسمح لبنات إخوته أن يظهرن أمام ضيوفه من الصحفيين والفنانين.. وهو على ما يبدو أنه كان العائق الأكبر فى علاقة سعاد وحليم.. حيث إن كلام الحكيم يقول إنه بالتأكيد كان يريد لسعاد أن تكون زوجة وفقط له.. فى حين أن سعاد كانت قد انطلقت كالسهم المارق الذى يعرف هدفه نحو قمة النجومية، وكان من المستحيل عليها تتحول لمدام عبدالحليم حافظ.

صلاح قُتلت يوم انتحر جاهين

يوم ٢١ يونيو ٢٠٠١ وبينما كانت لندن غارقة فى ضبابها المقبض الأبدى الذى لا ينتهى، سمع فى أحد شوارعها وتحديدًا أسفل برج ستيوارت تاور صرخة مكتومة ثم ارتطام بأسفلت الشارع القاسى.. والنتيجة جثة ساكنة ارتاحت من عذاب ظل ساكنًا بالضرورة داخلها حتى تخلصت منه بتخلصها من حياتها.

لم يعرف المارة ماهية تلك الجثة وبالتأكيد لم يستوعبوا أن هذا الجسد الساكن أمامهم قد ملأ الدنيا مرحًا قبل سنوات هناك فى أرض الفراعنة فى مصر.. إنها سعاد حسنى.

وانكشف المستور وعرف الجميع أن سعاد انتحرت لتسجل من ضمن وفيات هذا اليوم.. لكن ما لم يستوعبه الجميع أن سعاد عمليًا كانت قد ماتت قبل هذا التاريخ بحوالى خمسة عشر عامًا وتحديدًا يوم ٢١ أبريل ١٩٨٦ وهو اليوم الذى سجلت فيه حالة وفاة أخرى لرجل ملأ الدنيا ضجيجًا وإبداعًا لا ينتهى ولا ينضب.. هذا الرجل كان صلاح جاهين.

موت جاهين منتحرًا كان بمثابة قطم رقبة لسعاد، وهى التى أصبح صلاح بالنسبة لها هو المرجعية فى كل شىء.. رأت فيه العوض عن كل نقائصها حتى حبها لحليم الذى لم تشفَ منه بالتأكيد بزيجاتها المتعددة.. شفاها منه صلاح جاهين بأن نفخ من روحه الطائرة ليعود للسندريلا عنفوانها وتبدع أعظم أعمالها بتوقيع أبيها الروحى صلاح جاهين.

والغريب أن موت صلاح منتحرًا لم يكن محسومًا إلا عن طريق همهمات بين بعض القريبين الذين يعرفون الحقيقة ولكن يخشون غضب الأهل.. حتى جاء الناقد الكبير سمير فريد وكتب مقالًا سنة ٢٠٠٦ ليحسم به هذا الجدل وعنوانه وحده كفيل بالحسم حيث يقول «صلاح جاهين مات منتحرًا»، ثم تحدى الجميع داخل المقال بقوله نصًا «أنا لا يعنينى هنا من ينكرون انتحاره وكأنه جريمة، فقد عاصرت الموقف بنفسى، والساكت عن الحق شيطان أخرس، وعاصرت محاولات المنتج السينمائى حسين القلا، وهو يأتى بالدواء المضاد للحبات التى تناولها صلاح جاهين، ولكنها وصلت من سويسرا بعد فوات الأوان».

إذن بقى صلاح فى المستشفى أيامًا منتظرًا ترياق الحياة من سويسرا.

بقى أن تعرف كيف مرت تلك الأيام على سعاد حسنى وهنا نترك وجدى الحكيم ليحكى هو ما حدث.. حيث يقول وجدى إن سعاد كانت تذهب يوميًا لتجلس أسفل سرير صلاح الراقد فى غيبوبة، وهى تصرخ وتبكى بهستيريا لا تتوقف.. هكذا يوميًا حتى جاءت شكوى لإدارة المستشفى والتى أبلغتها لوجدى الحكيم وأهل صلاح.. وهنا تدخل وجدى واشترط عليها أن تتحكم فى أعصابها حتى يسمح لها بالدخول إلى صلاح.

وبالفعل التزمت سعاد لكنها كانت تدخل وتجلس أمامه ثم تتحدث إلى صلاح وكأنه يسمعها وتترجاه ألا يتركها لأنها لن تستطيع مواجهة العالم بدونه.

لكن القدر كان قد حان وذهب صلاح جاهين مكتئبًا ليترك سعاد التى شعرت أن الدنيا دارت فوق رأسها وودت أن تدخل القبر مع صلاح لتستأنس به.. ودخلت سعاد فى حالة اكتئاب شديد وأغلب الظن أنها قررت بينها وبين نفسها أنها انتهت وعزمت على أن تطوى الأيام الثقال كما هى بحلوها ومرها عسى أن تمر سريعًا وتذهب إلى حبيبها وقدوتها صلاح جاهين.. وعندما وجدت أن الحياة طالت أكثر من اللازم لم يكن أمامها إلا بلكونة لندن المُقبضة لتلقى بنفسها وبهمومها أمامها ليرتطما سويًا فى أسفلت الإنجليز القاسى وينتهى كل شىء سيئ.