رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أكثر المشاهد خسة فى تاريخ الجماعة الإرهابية.. ما حدث ليلة فض الاعتصامات المسلحة!

(1)

بعض المشاهد فى الأفلام يمكن تسميتها ماستر سينز القصة أو الفيلم، وحسب براعة صانعى هذه المشاهد يُكتب لبعضها الخلود، ويتم تكريم صناعها فى المحافل الكبرى! فى واقع الحياة يصادفنا أحيانًا مشهدٌ هنا أو هناك، ربما يقودنا لتغيير مفاهيم كاملة أو سلوك كامل. فربما يعود لباب الله عتاة مجرمون فى ومضة رحمة من الله ترق فيها القلوب، فيهجرون إجرامهم وفظاظة سلوكهم! وبعض المشاهد الأخرى يمنح الإنسان العادى قوة وطاقة استثنائية، سواء طاقة حب أو طاقة غضب أو طاقة كراهية!

كنتُ كملايين المصريين وغير المصريين أتابع تفاصيل ما يحدث، وتقوم تلك المحطة التليفزيونية العربية ذات الأجندة المعروفة بنقل تلك التفاصيل على الهواء مباشرة، ومن ذلك ما كان يتم بثه ليلًا مما يحدث على منصة رابعة ومنصة النهضة. قبل ذلك التاريخ ومنذ بدء التسعينيات بدأت رحلتى فى البحث المعرفى عن كل ما يتعلق بتاريخ الجماعات التكفيرية فى مصر. ومنذ ذلك التاريخ وحتى مشهد رابعة كنتُ قد قرأت سفر سيد قطب المقدس لدى الجماعة الباطنية السرية، والمسمى (معالم فى الطريق) حوالى خمس مرات على فترات متقطعة، يفصل بين المرة والمرة سنوات، وكان آخرها بعد تفجر أحداث يناير 2011م. لذلك فلم يكن ما يجرى مفاجئًا أو صادمًا لى، لأنه يتسق تمامًا مع التاريخ المدون الموثق من كلام حسن البنا وسيد قطب، أو ما شاهدته وسمعته وعايشته فى جامعة المنيا. من الطبيعى أن يحدث هذا، وإلا فإن كل ما دونه التاريخ سيصبح كذبًا! من الطبيعى أن تصاب الجماعة السرية بالهوس حين تقتنص مقعد الحكم! فالمأساة– كانت لى– ليست سلوك الجماعة، وإنما وللأسف جهل غالبية المصريين بها، وإقدام بعض المتعلمين على انتخابها، وتقديم حكم مصر لها بشكل يمنحها قبلة الشرعية القانونية!

(2)

كنتُ وأنا أشاهد مشاهد صلاة قيام الليل فى اعتصام رابعة، وسماع دوى صوت قراءة القرآن الكريم الذى اجتهدت تلك القناة التليفزيونية فى إخراجها بشكل تراجيدى مؤثر، كنتُ أتخيل وكأننى قد دلفت لكتاب تاريخ شعبى يصف ما حدث فى اعتصام النهروان لأول مرة فى تاريخ المسلمين ضد على بن أبى طالب! الاعتصام الذى كان يُسمع فيه دوى قراءة القرآن الكريم، لأن كثيرًا ممن كانوا به كانوا من قُرّاء القرآن الكريم! هؤلاء الذين كانوا يقطعون الطريق، ويسألون المارة من المسلمين عمن يؤيدون فى الحكم، ثم يقتلون من يجاهر برفضهم، وقتلوا صحابيًا جليلًا، وبقروا بطن زوجته الحامل، ثم جلسوا يتساءلون عن الحكم الشرعى فى دم البرغوث، وهل ينقض الوضوء أم لا! كان المشهد استنساخًا لمشهد اعتصام النهروان بكل فجاجة! حتى وصل المشهد إلى ذروته إلى الماستر سين الذى لن يُمحَى من ذاكرة كل من شاهده.. مشهد ليلة فض الاعتصام.. فى أقصى جنوب مصر كنتُ أعلم أن غدًا هو يوم فض الاعتصامات! فلا بد وأن من هم فى الدائرة الأضيق يعلمون ذلك. لم أنم تلك الليلة وجلست أمام شاشة تلك القناة اللعينة حتى الصباح! ليلتان ويومان هم الأكثر كآبة فى حياتى: ليلة أو فجر إعلان فوز مرسى، وليلة فض الاعتصام. واليومان هما: يوم دخول القوات الأمريكية بغداد، ويوم فض الاعتصامات التكفيرية فى مصر!

(3)

فى تلك الليلة كنت أتمنى أن يثبت خطأ كل ما قرأته وأيقنته من تاريخ الجماعات الباطنية. كنت أتمنى أن يثبت خطأ التاريخ وأن يكون هناك من قادة تلك الجماعة من سيفاجئنا بالخروج عن سيناريو الشيطان، حتى لو قبل بدئه بدقائق! لو كان الخروج عن الجماعة وبيعتها ارتدادًا عن الإسلام من وجهة نظرهم، فقد كنتُ أحلم بأن يرتد عددٌ من قادتها! كنت أتمنى أن نفاجأ مفاجأة سعيدة بأن تعلن الجماعة عن أنها ما زالت تحتفظ ببقايا مصرية، وأنهم ربما يفاجئوننا بنهاية سعيدة مثل أفلامنا المصرية، بأن يعلنوا أنهم قرروا حفظ الدماء سواء بدوافع دينية أو حتى إنسانية، ولتذهب السياسة والفكر وكل شىء إلى الجحيم! كنتُ أتمنى أن أكون مخطأً فى توقع سلوكهم، ويثبتون هم ذلك! لكن مخرجو هذا المشهد قرروا أن يحتفظوا للتاريخ بشرفه وصدقه، ولتذهب الدماء إلى الجحيم! 

فى بعض المشاهد يكون القادة على درجة من اليقين بصواب العقيدة والفكرة الباطلة، يصل بهم إلى درجة الجنون فيقررون التضحية بدمائهم ودماء من يختار ذلك من أتباعهم فى سبيل ما يؤمنون به! لو كان الموقف كذلك فربما احتفظوا لأنفسهم بصفة الجنون الصادق وببقايا شرف حتى لو كان شرفًا زائفًا باطلًا! 

لكن ما حدث فاق كل حد فى خسته! قادة اعتصام النهروان لم يكونوا ذلك. كانوا مجانين، لكنهم لم يكونوا على تلك الدرجة من الخسة. قادة اعتصام النهروان لم يحولوا بين أن يلتقى بعض الصحابة بالمعتصمين، ثم لم يحولوا بين من اقتنع بكلام الصحابة وقرر الانصراف آمنًا مطمئنًا أن ينصرف! ولم يبقَ سوى من تمسكوا بالجنون من قادة الفكرة فدفعوا ثمن جنونهم!

(4)

أما ما قام به قادة جماعة الإخوان وشاهدناه على الهواء مباشرة فقد كان على النقيض من ذلك! صعد القادة واحدًا تلو الآخر على المنصة، ثم ألقى خطبة عصماء ليتشبث الأتباع بمواقعهم! فعل كل قائد ذلك، وهو يعلم يقينًا ما سيحدث فى الصباح! فعل ذلك وهناك خطة معدة ليهرب هو من موقع الاعتصام بمجرد انتهاء خطبته! قالوا لأتباعهم دماؤنا قبل دمائكم، وهم يعلمون أنهم كاذبون! لا أدرى هل كان الجالسون هناك يعلمون كذب قادتهم أم لا؟! لكنّ كثيرًا من المتحلقين أمام الشاشات كانوا يعلمون! 

قدم القادة مشهدًا ربما يكون هو الأخس فى تاريخ مصر، وليس فى تاريخ الجماعة فقط! ألهبوا مشاعر الأتباع قبل أن يهربوا. ولم يكتفوا بذلك، بل وضعوا خططًا وقناصة مسلحين للحئول بين ما كانت تتمناه وتخطط له الدولة من منح الفرصة للمعتصمين للخروج الآمن! كان هناك إصرارٌ من أخس قادة فى صفحات التاريخ على أن تكون هناك دماء مسفوكة برصاص قناصيهم، أو بمنع المعتمصين من الخروج الآمن! اتسق هذا التخطيط الخسيس مع ما سبقه من مشاهد تم توثيق بعضها تصويرًا فى بعض مسيراتهم حين كانوا يقنصون بعض أتباعهم من الخلف! ولعٌ شيطانى بسفك الدماء!

(5)

فى الليالى السابقة للفض كانت طائرات القوات المسلحة تلقى بالمنشورات على المعتصمين تحثهم على الإنصراف إلى منازلهم! وبمجرد أن تلتقط بعض الأيدى إحدى تلك المنشورات يسارع أحد قادة الدم بالصعود للمنصة لتسفيه ما تقوم به القوات المسلحة. لقد كان كمينًا قاموا بإعداده لأتباعهم غير المنضمين تنظيميًا للجماعة وكان الهدف إما أن يثبت الوضع حتى تتدخل قوى دولية لفرض مشروعها بالحديث عن قوتين متصارعتين على الحكم، ثم كسر إرادة المصريين وفرض الحكم الفاشى على مصر، أو أن تتم إراقة دماء كثيرة ليس مهًما دماء مَن!

بعض المشاهد فارقة فى التاريخ، وهذا المشهد أعتبره أخس مشاهد الجماعة الباطنية على الإطلاق. مشهدٌ كشف فيه الشيطان عن وجهه تمامًا! إننى أندهش تمامًا من ردود أفعال البعض بعد الفض..ألم يتوقفوا أمام ما حدث فى تلك الليلة السوداء؟! ألم يتساءلوا أين وكيف اختفى من كانوا فى تلك الليلة يمسكون بالميكروفونات فوق منصة الخسة والخيانة؟! ألم يتوقفوا أمام الفكرة ذاتها وبغض النظر عن المواقف السياسية؟! ألم يتوقفوا أمام مشهد هروب أحدهم بنقاب نساء بعد أن أغلظ فى القسم أمام أتباعه بأن دماءه ودماء أهله قبل دماء هؤلاء الأتباع؟!

(6)

على السياق الشخصى لم تفاجئنى خسة الجماعة لكنها آلمتنى بقوة. فأن تقرأ هذا فى كتبٍ ومراجع شىء وأن تشاهده أمامك شىءٌ آخر! لم أخطئ فى التوقع لكننى أخطأت فى التمسك بأهداب أملٍ كاذب حتى دقائق قبل الكارثة! فى بعض مشاهد الأفلام العظيمة قد يتفاعل المشاهد مع أحداثها لدرجة أنه يتوهم فى لحظة معينة لو أنه مثلًا يتدخل بتغيير بعض الوقائع قبل أن ينتهى الفيلم ويرجع للواقع. لكن ما حدث لم يكن فيلمًا سينمائيًا، بل كان تاريخًا يُكتب ونشاهده لحظة بلحظة.. داهمنى هذا الهاجس والكاميرات تُسلط على الجالسين بأسرهم أمام أتباع الشيطان وهم يتقافزون على المنصة.. تمنيتُ لو قفزت داخل المشهد وصرخت فى أذن كل من كان جالسًا إنكم مخدوعون مغيبون.. تمنيتُ لو أتيحت لى الفرصة لكى أستجديهم فردًا فردًا بأن يخرجوا بأُسرهم من أسر الشيطان وأن يكفوا أنفسهم وبلادهم هذا المشهد.. لكن أحدنا لم يكن ليغير ما حدث فقد حاول شرفاءٌ كُثر أن يحقنوا الدماء ولم يفلحوا فكان قدر الله..

لم يغير المشهد الأكثر خسة فى تاريخ الجماعة من قناعاتى شيئًا، لكنه أضاف إليها.. أضاف إليها أننا فى خصومة مع تلك الجماعة وكل من يدعو إلى أفكارها أو يحاول إعادة تدويرها لنا فى ثوبٍ جديد إلى يلقى كلٌ منا ربه! وأننا سنكون خونة لهذا الدين وهذا الوطن لو سمحنا مستقبلًا بأن تقود مواقفنا – أفرادًا أو مؤسسات – ذاكرة السمك! سنخون هذا الدين لو لم نقم بزلزلة عقول المصريين ليراجعوا مواقفهم! وإن لم نقم بتحصين عقول صغارنا ضد الوقوع فى هذا الوحل المخضب بالدماء مرة أخرى! وإن تراخينا مع أى شخص حقيقى أو اعتبارى أو مؤسسة تحاول أن تمهد الأرض ثانية لعودة الشيطان! والشيطان هنا هو الفكرة قبل الأشخاص! سنكون خونة لهذه البلاد لو سمحنا بما حدث مرة أخرى! لن يستحق المصريون – حكامًا ومحكومين – هذا الوطن لو لم يقم كلٌ بدوره ويحفظ لتلك البلاد شرفها الدينى والوطنى! شرفها هو شخصيتها التاريخية وأرضها وحدودها وعقلها!

دفعنى هذا المشهد الأسود للشروع فى كتابى (الجلمود)! حين اقتنعت أن صمت أحدنا– إن كان لديه ما يقوله– هو خيانة صريحة لهذا الدين وهذا الوطن! لا نريد أن ندفع بلادنا لأن تدفع مرة أخرى هذا الثمن الباهظ من الدماء! والطريق الوحيد لهذه الغاية أن ندفع المصريين للقيام بثورة عقلية حقيقية. تحصين العقول هو الطريق الوحيد الآمن ولا شىء غيره! تحصين العقول بتطهيرها مما تراكم بها من خطيئة خلط السياسة بالدين بالدم!