رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

بترول المستقبل

أمام مصر فرصة ذهبية يبدو أنها تستغلها بالفعل، أو بدأت فى استغلالها بالفعل، البترول، والغاز لن يصبحا مصادر الطاقة للعالم فى المستقبل، أو فى المستقبل القريب، هذه أصبحت مصادر«غير نظيفة» أو تمثل خطرًا على استمرار العالم، لا أحد يريد أن يغامر هذه المغامرة، والجميع يفكر فى وسائل نظيفة للطاقة، الطاقة النظيفة هى التى لا ينتج عن استخدامها أى انبعاثات حرارية، أو تلوث، ولا ترفع درجة حرارة الأرض، لا يوجد أنظف من الطاقة المتولدة عن الشمس، والرياح، لأنها ظواهر طبيعية جدًا أو «خلقة ربنا» كما يقول المصريون، ومن حسن حظ مصر والعالم أيضًا أننا نملك هذين المصدرين العظيمين للطاقة بوفرة، لا يوجد أحلى وأكثر سطوعًا من الشمس المصرية للدرجة التى دفعت فرقة رضا لأن تغنى لـ«حلاوة شمسنا وخفة ضلنا»، ونفس الأمر بالنسبة للرياح، مصر اكتشفت هذا مبكرًا، والرئيس قابل علماء كثيرين تداول معهم فى أفكار مشروعات الطاقة الشمسية منذ ٢٠١٤، كانت الفكرة وقتها أن الوقود الأحفورى أرخص فى التكلفة بالمعنى المباشر، لكن العالم تأكد أنه أغلى فى التكلفة على المدى البعيد، لأن الأضرار الناتجة عن استخدامه لا يمكن تعويضها، وبالتالى فإن مشاريع الطاقة النظيفة، ولا سيما من الرياح، هى بالفعل أقل تكلفة، لذلك أقبل الغرب على مصر يعرض التمويلات الميسرة للتحول نحو الطاقة النظيفة، والسبب أن الإمكانات المصرية يمكن أن تنتج طاقة تكفى للتصدير لأوروبا بسبب موقع مصر الاستراتيجى على ناصية العالم، أوروبا تحتاج للطاقة بشدة فى ضوء أزمتها مع روسيا، وفى ضوء ارتفاع أسعار البترول بدرجة متزايدة، وبالتالى فإن مصر ذات الجو المشمس، والرياح المستمرة تملك بترول المستقبل، أو تملك الطاقة التى يحتاجها الجميع، مصر التى تقرأ العالم جيدًا، وتملك من الأفكار ما يمكنها من مجابهة نقص الإمكانات، كانت جاهزة بالأفكار والمشروعات عبر منصة نوفى، كلها تدور حول محطات لإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، لم تعد المسألة مجرد مقاومة للتغيرات المناخية، ولكن إنتاج الطاقة التى يحتاجها العالم بشدة وكأنه مريض يبحث عن قرص دواء، ومصر تملك الحل، التوقعات تشير إلى تركز الأبحاث العلمية على تخفيض تكلفة إنتاج الطاقة النظيفة لأقصى درجة ممكنة خلال الفترة القادمة، والسوابق تقول إن العلم يفعل المعجزات، من جهة أخرى بادرت الولايات المتحدة وألمانيا لتقديم تمويل ٥٥٠ مليون دولار للبدء فى تأسيس مشروعات الطاقة النظيفة، بعضها منح، وبعضها تبادل ديون، وفى نفس الوقت فإن البنك الأوروبى لإعادة الإعمار يخصص ١٫٣ مليار دولار أخرى لنفس الغرض، منها مليار دولار لدعم مشاركة القطاع الخاص فى هذه المشروعات، إضافة إلى تمويلات ميسرة بقيمة ٣٠٠ مليون دولار، ومنح قيمتها ٣ ملايين دولار تخصص عادة لإجراء الدراسات اللازمة قبل البدء فى العمل، وبحسب نشرة «إنتربرايز» المتخصصة فإن الغرب سيساعد مصر فى إنقاذ جزء من الغاز الطبيعى الذى كان يفقد أثناء عمليات الاستخراج ويحترق فى الهواء، وهى فائدة مزدوجة للبيئة وللخزانة المصرية معًا، ولا شك أن دافع الغرب للحماس لهذا الإنقاذ هو شراء هذه الكميات المفقودة بالعملة الصعبة لعلها تساهم فى حل أزمة الطاقة المتزايدة هذا الشتاء، البنك الأوروبى لإعادة الإعمار برر تخصيصه هذا المبلغ لمصر فى بيان له قائلًا «تمتلك مصر موارد طاقة متجددة على مستوى عالمى، وهى قريبة من الأسواق فى أوروبا وآسيا، مما يمنحها القدرة على تحويل قطاع الطاقة الخاص بها، وأن تصبح مركزًا عالميًا للوقود والمنتجات الخضراء»، فى حين دخلت لسوق التمويل الدولى مؤسسة جديدة هى صندوق الاستثمار فى المناخ، والتى ستقدم لمصر ٣٥٠ مليون دولار لنفس السبب وهو التحول نحو الطاقة النظيفة وإنتاج كمية كهرباء، تصل لضعف الكهرباء التى تنتجها مصر حاليًا والتى تعمل بالغاز وهو الإنتاج الذى يفيض عن حاجة مصر وتصدره، والمعنى أننا سننتج ضعف إنتاجنا الحالى والذى يكفينا بالفعل بهدف التصدير لأوروبا التى لا تملك الشمس ولا الرياح التى ننتج منها الطاقة النظيفة، الظرف العالمى يقف فى صف مصر التى لم تضيع الفرصة على ما يبدو، وما زال أمام صناعة السياحة الكثير خلال هذا الشتاء كما تدل المؤشرات، ليس فقط بسبب الدفعة التى أعطاها مؤتمر المناخ، ولكن بسبب أزمة الطاقة فى أوروبا وهروب الأوروبيين لمزيد من الدفء وهى الفرصة التى يبدو أن الجهات المسئولة عن السياحة لم تضيعها كما تدل المؤشرات المبدئية، وبشكل عام فإن الاستقرار السياسى والأمنى فى مصر من أهم عوامل جذب السياحة، وهو لم يشهد ما يخدشه ولن يشهد بإذن الله.. هناك فرصة كبيرة فى الطريق لمصر أو ربما جاءتها بالفعل ومن الواضح أنها لن تضيعها.. فهذا ليس عصر الفرص الضائعة..