رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

احتفال جديد بالعميد

قرأت خبرًا عن نقل مقبرة «طه حسين» من مكانها القديم إلى مكان جديد.. النقل يأتى ضمن خطة شق محاور جديدة تربط شرق مصر بغربها مما يقتضى نقل عدد قليل من المقابر يمر بها بعض المحاور.. أنا شخصيًا مع التطوير فى الطرق لآخر مدى، ولمست فائدة هذه الطرق فى كل «مشاويرى» داخل العاصمة من شرقها إلى غربها.. فاتتنى جنازة صديق عزيز جدًا وفكرت أن علىّ أن ألحق بمراسم الدفن فى مقابر البساتين.. أرسل لى الأصدقاء «اللوكيشن» عبر تطبيق جوجل فقطعت المسافة من التحرير إلى المقابر فى تسع دقائق أو أقل.. هذه المقابر وغيرها كانت بالنسبة لى ولغيرى طلاسم مبهمة الوصول إليها من رابع المستحيلات.. وبالتالى فأنا أفهم أهمية التطوير، خاصة أن نقل مقبرة من مكانها لا يعنى أى مساس بصاحبها لا دينيًا ولا معنويًا ولا جسديًا طبعًا لأن ما يبقى منا بعد سنوات هو التراب.. لذلك نقول إننا من التراب خلقنا وإلى التراب نعود.. ومع ذلك فقد تخيلت أن أعداء طه حسين قد يقيمون مناحة على نقل مقبرة طه حسين، وأن الذين كفّروا طه حسين قد يشقون الجيوب على نقل مقبرة طه حسين!.. أذكر أننى وأنا مراهق صغير تلقيت أول صدمة فى جماعة الإخوان عندما قرأت فى مجلة «لواء الإسلام» موضوعًا يقول إن طه حسين عميل للغرب الصليبى!! كانت صدمة كبيرة لأنى كنت قد قرأت فصولًا من سيرة حياته فى المدرسة وأحببته جدًا على الشاشة بصوت وتمثيل أحمد زكى.. العميد نفسه هو رائد التنوير الذى تخافه جماعة الإخوان وتكرهه.. هو مترجم المسرح اليونانى الذى يظنه المتطرفون بضاعة وثنية.. هو صاحب الدعوة لإنارة العقل بالعلم فى حين أن الإخوان هم طيور الظلام.. أكثر من هذا أن العميد قال فى الإخوان عام ١٩٥٤ ما قاله مالك فى الخمر، وهم قالوا فيه أكثر وأكثر.. ومع ذلك لا تعجب أبدًا لو وجدت الإخوان يتباكون على نقل قبر العميد تباكى الثكالى واليتامى.. سيبكون على العميد ولكن بدموع التماسيح.. ولا ريب أن يشاركهم بعض الفوضويين وأعداء فكرة الدولة رغم أن طه حسين هو أعظم إصلاحى مصرى فى تاريخ الدولة الحديثة فى مصر.. ومع ذلك قد يقيم أعداء فكرة الإصلاح مناحة على قبر العميد.. لذلك أريد أن نفوّت الفرصة على أصحاب دموع التماسيح ورافعى قميص طه حسين، وأن نحول المناسبة إلى احتفالية كبيرة يتم فيها نقل رفات عميد الأدب العربى من مقبرته القديمة إلى مقبرته الجديدة، وأقترح أن تكون هذه المقبرة فى بيته القديم «رامتان» فى الهرم الذى تحول إلى مركز ثقافى يحمل اسمه.. إن القانون يحظر بكل تأكيد دفن رفات الموتى فى المناطق المأهولة بالسكان، لكن طه حسين يستحق أن نستثنيه من القانون مثلما فعلنا مع سعد زغلول وجمال عبدالناصر وأنور السادات لأنه لا يقل عظمة بكل تأكيد عن هؤلاء الزعماء السياسيين، ولأنه لم يتبق منه بعد كل هذه الأعوام سوى رفاته الكريمة وذكراه العطرة.. إننا لا نحتاج سوى أن تحصل وزارة الثقافة على تصريح من محافظ القاهرة بهذا الاستثناء، وأن تشرع الهيئة الهندسية فى بناء مقبرة للرجل العظيم فى حديقة منزله، وأثق أن رجال الهيئة الهندسية يستطيعون الانتهاء منها فى ساعات.. بعدها ندعو جميعًا بعضنا البعض لإحياء ذكرى العميد ولاحتفال جديد بهذا المصرى العصامى.. ابن الفلاحين الذى تحدى العجز والفقر ونبغ كما لم ينبغ غيره.. هذا الأزهرى النابغ الذى سار وراء عقله وامتلك شجاعة النقاش والمساءلة ولم ينكسر حين أراد أحد المشايخ قمعه ومعايرته قائلًا له: «ما بك إلى الجدال من حاجة يا أعمى»!! بعد أن أتعبه طه الذى لم يكن قد جاوز السابعة عشرة وأرهقه بعلمه ومنطقه ليرد طه حسين الفقير الضرير على الشيخ الأزهرى قائلًا: «لا أظن أن طولة اللسان ترفع قدرًا ولا تزيد علمًا»!! ثم يترك مجلس هذا الشيخ الذى أساء له ويترك الأزهر كله بعد ذلك باحثًا عن مكان يسمح له بحرية النقاش والتعبير وإعمال العقل.. فيقصد الجامعة المصرية الأهلية ويؤهله تفوقه لمنحة لدراسة علم الاجتماع فى فرنسا فيحصل على رسالته الدكتوراه عن ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع العربى، ويدرس على يد أوجست كونت مؤسس علم الاجتماع فى العالم، ثم يعود إلى مصر لينبغ فى الاجتماع والتاريخ والنقد الأدبى والكتابة الصحفية والتدريس الجامعى وترجمة عيون المسرح اليونانى عن اللاتينية، ويتولى مسئولية التعليم فى مصر فينقله إلى آفاق أرحب وأوسع ويعلم المصريين أن التعليم حق لهم كالماء والهواء.. وتأتى ثورة يوليو لتنفذ حلمه فى مجانية التعليم لكنها للأسف تقصيه عن الوزارة وتعهد بها لوزير متأثر بأفكار الإخوان حتى إنه انسحب من جميع مناصبه عقب القبض على تنظيم سيد قطب عام ١٩٦٥، ولا شك أن هذا كان أحد أخطاء الثورة التى ندفع ثمنها حتى الآن.. إننا عندما نكرم طه حسين فإننا نكرم قيم الاستنارة والاجتهاد والعصامية والعمل والانفتاح على العالم والوعى بالتراث والانحياز للبسطاء والحفاظ على الكرامة.. وهى كلها قيم نحتاج أن يتعلمها شبابنا فى هذه الأيام.. نريد أن يرى شباب مصر طه حسين يُكرم ويخلد فيحلمون بأن يكونوا مثله بدلًا من أن تكون القدوة هى مطربى المهرجانات وراكبى التريند ونصابى السوشيال ميديا.. كرموا طه حسين تربحوا المعركة مع طيور الظلام من كل الأصناف.. والله أعلى وأعلم.