رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الست لما



ما عنديش ذرة إنكار إنه الست في مجتمعنا بـ تعاني، واللي بـ يزود المعاناة دي إنه كتير منها يمكن تجنبه دون كلفة كبيرة.
مشكلتي مع الإطار اللي بـ ينطرح من خلاله الموضوع، لـ إنه بـ يشكل الحركة، وفي تقديري إنه مش بس "غير سليم"، لكن كمان مضر بـ الموضوع، وغير منتج لـ حلول، وأخص هنا بـ الذكر فكرة "الست الغلبانة في مواجهة الراجل المفتري".
في اعتقادي إنه مشاكل السيدات والبنات ناجمة في الأغلب عن مفاهيم متأخرة، لم تجد سبيلا لـ التطوير، المفاهيم دي ما عملهاش الراجل، والأهم إنه مش مصمم على بقائها وتكريسها، إنما اشترك فيها الجميع لـ إنها كانت ملائمة لـ أنماط علاقات ناتجة من تركيبة قديمة لـ توازن القوى.
الخلطة ديما حصلهاش تغيير منتظم أو شبه منتظم، يؤدي بـ الضرورة لـ إيجاد مفاهيم تلائم التركيبة الجديدة، إنما الأمور مشيت في اتجاهات عشوائية تماما.
لما تبص لـ التركيبة الحالية تلاقيها عصية على التصنيف، ما تعرفش إن كان دا مجتمع قبلي ولا غالب عليه الترييف، ولا مجتمع المدينة الكبيرة، ولا مجتمع المدينة الولاية، ولا مجتمع صناعي أو زراعي، أو أي حاجة من اللي بـ نقرا عنها، إنما الموضوع سمك لبن تمر هندي.
أي مقاربات بـ تحصل من أي تيار، أو تحليلات، بـ تكون غالبا نظرية مبنتة عن الواقع، لـ إنها بـ تتمثل مجتمعات تانية وتطورها، مش مجتمعنا خالص.
لما يكون مفيش نسق متماسك، مستحيل تنشأ منظومة قيم تمتلك الحد الأدنى من الصلابة، لكن لا يمكن أن تسير الأمور في الفراغ، بـ التالي يبقى القديم (القبلي) مهيمنا لكنه غير مناسب "على الأقل لـ قدر معتبر من البشر".
من هنا بـ ييجي الشعور بـ عدم الارتياح، وهذا الشعور يتفاقم نتيجة العجز عن طرح بديل مرتكز لـ أمور قابلة لـ القياس، لـ إنه البدائل لا توجدها النظريات. وخلينا نخش في المفيد.
هـ أضرب لـ حضرتك مثال: الراجل يتحمل مسئولية السلوك الجنسي لـ قريباته من النساء: زوجته/ أخته/ أمه/ بنته، بل أحيانا من له بهن علاقة بعيدة شوية بنت أخوه/ بنت أخته/ بنت حتته/ إلخ إلخ، هل هذا الأمر مريح لـ الست؟
طبعا لأ.
إنما السؤال هنا: هل هو كمان مريح لـ الراجل؟ يعني هل هو مبسوط بـ إنه لو بنت بنت خالة مراته السابقة مشيت مع واحده وممكن يتعاير بـ دا؟هل هو مرتاح؟
برضه لأ.
إنما دا "تحمله هذه المسئولية" كان مفهوم مناسب جدا لما كان المجتمع منتظم، حتى لو منتظم في أنماط مختلفة، لكنه منتظم، والأغلب إنه كانت القيم السائدة، إما ريفية صريحة في القرى، أو قبلية في المدن.
قبلية في المدن!
أيون حضرتك، القبيلة مش شرط تكون بني عبس، أي مجتمع متناسق له نشاط مشترك ينتج نسقا قيميا موحدا، هو قبيلة، ممكن تسميها طايفة/ شريحة/ شلة، لكنها، بـ معنى ما، قبيلة.
قبيلة مهم فيها إنت ابن مين؟ ومن عيلة مين؟ وقريب مين ونسيب مين؟ وفرص الانتقال من قبيلة لـ أخرى تكاد تكون معدومة. 
سواء في المجتمع الريفي، أو المجتمع ذي الطابع القبلي، مفهوم الأسرة الصغيرة بـ يخفت، أمام مفهوم "العائلة" الساطع. تلاقي الأب والأبناء والأحفاد وأبناء الأحفاد عايشين مع بعض، بـ يشتغلوا في مهنة واحدة، أو أدوار مختلفة داخل نفس المهنة أو السوق، ويتجوزوا من بعض، أو "من يكافئهم". 
هنا تلاقيهم بـ يقولوا بـ فخر: أنا نجار أبا عن جد، أنا عيلتي بـ تشتغل في النقاشة من أيام جدي عبد السلام، وحتى لو مش نفس المهنة بـ دقة، لكنها نفس المجال.
لما تبقى العائلة لها هذا الحضور، يصبح "النسب" أمرا محوريا، والحفاظ على "نقائه" مهمة رئيسية، فـ يبقى النشاط الجنسي تحت الحراسة والمراقبة المجتمعية، وطبيعي هنا إنه يتساهل مع الراجل، ويتشدد مع النساء لـ أسباب أظن مفهومة.
ولـ إنه النساء هن اللي تحت الرقابة، فـ المجتمع يفترض إنه الراجل هو الرقيب "له سلطة" وهو المسئول "السلطة ليها تبعات". وصف المنظومة دي بـ إنها "ذكورية" بـ يدي شحنة دلالية إنه الذكور هم اللي صنعوها، أو إنه الذكور هم المستفيدين منها، أو إنها مفروضة على النساء كرهًا، بينما مش بـ أشوف دا حاصل.
القيم دي نشأت نتيجة ميزان القوى، وطبيعة النشاط الاقتصادي، ودور كل طرف في عملية تحويل الموارد لـ مستهلكات، وكل نوع كان له فيها حقوق وعليه مسئوليات، ويستفيد في جوانب، ويدفع فاتورة جوانب.
دا يفهمني أنا شخصيا مسلك واحدة زي هدى شعراوي مع قضية ابنها، النساء كن مستفيدات من المنظومة وقيمها "ولو في جانب زي ما قلنا" فـ الجميع مشارك في تكريس هذه القيم "على الأرض" ولو عايز تقدم يحصل في جزء منها، فـ التقدم برضه يكون محسوب، وبـ ما يضمن عدم انهيار المنظومة كلها.
طيب، هل التركيبة دي موجودة؟ لأ.
طيب ليه المفاهيم ما اتغيرتش؟ لـ إنه ما جاتش تركيبة جديدة بـ نفس التماسك، الأمور مش هـ تتغير نتيجة إنه حد يكتب مقال مثلا، أو كتاب، أو حتى يعمل حملة يقول فيها المفاهيم دي غلط، فـ الناس يقولوا له: آه صحيح عندك حق! كانت غايبة عننا فين دي؟
إنما علشان المفهوم يتغير، لازم المفهوم الجديد يتشكل في فضاء عملي، ولـ إنه التركيبة بزرميطفـ كل واحد بـ يشكل مفاهيمه تبعا لـ حياته الخاصة، إنما لا يملك أدوات تعميم هذه المفاهيم، فـ يفضل المجال العام محكوم بـ القديم، ويفضل الجميع "رجالة وستات" يرددوا مفردات هذا المفهوم القديم، ربما بـ إصرار أكبر من الفتراتاللي كان فيها المفهوم سائد بـ صورة "طبيعية".
دا بـ يحصل لـ إنه الجميع خايف من "المجهول"، مش عارفينلو تخلينا عن "اللي نعرفه"، "اللي ما نعرفوش" يودينا فين.
طبعافيه ناس ثائرة، عندها استعداد نروح في داهية حتى، لكن ما نفضلش في أسر منظومة متهالكة، وفضلا عن إنها ظالمة فـ هي كمان غير معبرة عن واقع، خصوصا لو الثائر دايعيش، أو يطمح في أن يعيش،حياة مفارقة "أو الثائرة عشان محدش يزعل". 
كما إنه الناس ترى إنه لا فائدة لـ النساء من استمرار الوضع "وهذا صحيح إلى حد بعيدأو خلينا نقول في حالات كثيرة".
الناس الثائرة دي أنا معاها، إن لم يكن بـ الدعم، فـ على الأقل بـ التعاطف المفرط، لكن نرجع لـ بداية الكلام:
هل الثورة دي ليها إطار ومنطلقات؟ ولا ماشي في نور الله بـ أدعي وأقول يا رب؟ ولا المفاجأة الكبرى هنا إنها محكومة بـ المفاهيم القديمة ذاتها دون أن تدري؟ولا تدري وبـ تستعبط؟
ذاتس ذا كويسشن