رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

في كتاب يوضح الأساليب.. هادي العلوي يرصد تاريخ التعذيب في دول الخلافة (تفاصيل)

التعذيب في دول الخلافة
التعذيب في دول الخلافة

ربما ظن من شاهد صور وفيديوهات جرائم "داعش"، سواء بحرق الأحياء أو تقطيع الأيدي والأرجل والرءوس وتعليق الجثث كالذبائح، أنها سوابق للمرة الأولى في تاريخ الإسلام والمسلمين، فهم يجهلون أن التاريخ الإسلامي متخم بأبشع من هذه الجرائم والتي يعاد إنتاجها على يد "الدواعش".

وفي كتابه "من تاريخ التعذيب في التاريخ الإسلامي"، يتتبع الباحث العراقي «هادي العلوي» تاريخ التعذيب منذ الخلافة الراشدة مرورا بالدولتين الأموية والعباسية.

يشمل الكتاب مسحًا ترميزيًا للتعذيب في الإسلام، وفيه تناول مصطلح التعذيب كما استخدم في التاريخ  الإسلامي: "بمعنى واحد يشير إلى إيلام الأسير أو المتهم على سبيل الانتقام أو الحصول منه على الاعتراف بشيء ما"، ثم عرج على أغراض التعذيب وقسّمها إلى غرضين: تعذيب لأغراض سياسية، تعذيب لأغراض أخرى.

وأضح أن التعذيب السياسي يرجع إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان، الذي فقد قاعدته الجماهيرية بعد أن أقام سلطته الفردية المطلقة، وكيف تحولت البصرة وبغداد لمراكز مناوئة لحكم معاوية ولجوئه إلى تولية "زياد بن أبيه" مستغلا عقدة النسب لديه، وقد أظهر زياد مواهب إرهابية نادرة في صدر الإسلام، وصار قدوة لمن جاء بعده من الولاة والخلفاء المسلمين، وهو مشرع لعدة أمور سارت عليها السلطة الإسلامية فيما بعد، مثل منع التجول، والقتل الكيفي، وكان يعرف عندهم بالقتل على التهمة أو القتل على الظن، وقتل البريء لإخافة المذنب، وقد طبقه على فلاح خرج ليلًا للبحث عن بقرته الضائعة خلافًا لقراره بمنع التجول في الليل، وقتل النساء، ويخبرنا الطبري أن وكيل زياد على البصرة، وهو سمرة بن جندب، أعدم ثمانية آلاف من أهلها تطبيقًا لمبدأ زياد في القتل على التهمة.

ولا ينس "العلوي" الدموي الداهية الحجاج بن يوسف الثقفي٬ ووصفه بأنه النسخة الأكثر تطرفا من "بن أبيه"، وعلى يده أصبح الإرهاب حالة يومية شاملة يعيشها الناس على اختلاف فئاتهم ولمختلف الأسباب، من سياسية وعادية، وقد أنشأ سجن الديماس المشهور، وقدر عدد من كان فيه عند وفاته بعشرة آلاف من الرجال والنساء، وكان التعذيب يطبق على الأسرى والمعتقلين تبعًا لحالاتهم، لكن الشكل السائد لإرهاب الحجاج كان القتل الكيفي بوسيلته الشائعة، وهو قطع الرأس بالسيف، وأضاف الحجاج الصلب بعد القتل للأشخاص الذين لهم وزن خاصة في حركة المعارضة، وكان من ضحايا هذا الإجراء "ميثم الثمار" من أصحاب علي بن أبي طالب المقربين. 

واستمرت سياسة التعذيب لأجل الإرهاب لتأخذ مدى جديدًا على يد "هشام بن عبدالملك" في الشام وولاته في الأقاليم.. وطبق هشام بنفسه طريقة القتل بقطع الأيدي والأرجل، ومنها إعدام غيلان بن مسلم الدمشقي بتهمة القول بالقدر، وبنفس التهمة أعدم خالد القسري، عامله على العراق، والجعد بن درهم، وقد نفذ الإعدام ذبحًا.. ويستند «العلوي» إلى رواية "الطبري" في أن التعذيب بالحرق حيا استخدم في خلافة هشام لإعدام داعية من غلاة الشيعة هو المغيرة بن سعيد العجلي، وكان قد خرج على الدولة في الكوفة أيام ولاية خالد القسري.

ثم ينتقل «العلوي» إلى خلافة العباسيين، والتي استهلت بالبيعة للسفاح "أبوجعفر المنصور" كأول خليفة عباسي، والذي استأنف ما بدأه الأمويون وأضاف إليه.. ويذكر الطبري أن عدد من أعدمهم "أبومسلم الخراساني" في المشرق بلغ ستمائة ألف بين رجل وامرأة وغلام، وكان إبراهيم الإمام، زعيم الدعوة، قد كتب إليه بقتل أي غلام بلغ خمسة أشبار إذا شك في ولائه، وفي رواية "لأبى الفرج الأصفهاني" تفيد بأن المنصور قتل بعض العلويين بدفنهم أحياء، وتطور القتل بالتقطيع إلى زيادة في عدد الأوصال المقطعة، فبعد أن كانت الأيدي والأرجل تقطع دفعة واحدة صارت تقطع إلى عدة أوصال ويضم إليها أجزاء أخرى من الجسم، وقد أبلغها الرشيد إلى أربع عشرة قطعة، مع تطوير في الوسيلة تضمنت استعمال مدية غير حادة بدلًا من السيف، وبلغ القتل تحت التعذيب أشنع حالاته بعد العصر العباسي الأول.

ثم ينتقل الكتاب لشرح التعذيب لأغراض أخرى، اشتملت على التعذيب للاعتراف، ويستهدف انتزاع الاعترافات من المتهم في القضايا العادية كالقتل الشخصي والسرقة٬ والشكل المعتاد لعقاب ذلك هو ضرب المتهم باليد أو بالهراوة أو السوط. 

والتعذيب للجباية وجه لتحصيل الخراج أو الجزية من الفلاحين وأهل الذمة، وكانت العقوبات تتخذ شكل الجلد وحلق الشعر لإرغامهم على الدفع، وكان يمارسه الجباة لتحصيل أكبر قدر من الأموال التي يختلسون نصفها.

وقد مد الحكام المسلمون هذه العقوبات إلى مخالفات أخرى كجرائم الفكر والسرقة، كما استخدموها للتأديب والانتقام الشخصي، وشملت عقوبة التعذيب كذلك حالات القصاص، وهو، حسب الشرع، الإعدام بقطع الرأس في القتل العمد، لكنه تجاوز هذا الحد في القصاص السياسي، ومن أمثلته تعذيب الخادم الذي قتل أبوسعيد الجنابي، مؤسس الحكم القرمطي في شرقي الجزيرة العربية .

ثم يستعرض الكتاب فنون التعذيب وحمل الرءوس المقطوعة، وسنها الأمويون في زمن معاوية، ومن أشهر تلك الوقائع حمل رءوس الحسين وأصحابه بعد معركة كربلاء، وقد ثبتت الرءوس على الرماح وسير بها من كربلاء إلى الكوفة، حيث قدمت لحاكمها عبيدالله بن زياد، ثم استأنفوا السير بها إلى دمشق لتقديمها إلى الخليفة الأموي.

وهناك الضرب والجلد باليد أو السوط أو الهراوة أو المقرعة، وهو الكل المعتاد في تعذيب الاعتراف، وغالبًا ما يكون صفعًا على القفا والوجنتين ولم يكن الغرض منه الإيلام بقدر الإهانة.

وتنور الزيات كان يصنع من خشب تخرج منه مسامير حادة وفي وسطه خشبة معترضة يجلس عليها المعذب ويمنع من النوم، وعندما يغفو يسقط على مسمار، أي أن المعذب يجد أمامه خيارين، إما النوم على المسامير أو السهر طيلة إقامته في التنور.

والتبريد بعد الجلد، أورد الغزالي في «إحياء علوم الدين» أن عبدالملك بن مروان خطب ابنة التابعي سعيد بن المسيب، لابنه الوليد، فرفض سعيد لورعه ومعارضته سياسة الأمويين، فأمر عبدالملك بتأديبه فضرب مئة سوط في يوم بارد، وألبس جبة صوف، ثم صب عليه جرة ماء بارد. 

والتعذيب بالقصب، ومثاله عقوبة فيروز بن حصين من قادة انتفاضة ابن الأشعث ضد الحجاج في العراق، فقد أسر بعد فشل الانتفاضة، وكان تحت يديه أموال طائلة يعود بعضها للحركة، ولاستحصال الأموال منه أمر الحجاج بتعذيبه، فعري من ملابسه ولفوه بقصب مشقوق ثم أخذوه يجرون القصب فوق جسده، ولزيادة إيلامه كانوا ينثرون الملح ويصبون الخل على الجروح التي يسببها القصب.
 
التعذيب الجنسي من الوقائع النادرة في هذا المجال، فقد تم اغتصاب نساء المدينة على يد جنود أهل الشام بأمر من يزيد بن معاوية.. وروى الذهبي في «سير أعلام النبلاء» أن الحاكم بأمر الله الفاطمي كان يتجول في الأسواق على حمار ومعه غلام أسود ضخم فمن أراد تأديبه أمر الأسود فأولج فيه جهارًا.