رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

هل يؤثر سقوط هشام عشماوي على تنظيم القاعدة؟

جريدة الدستور

في الخامس من أبريل الماضي، أعلن الجيش الوطني الليبي اطلاق عملية طوفان الكرامة لتحرير طرابلس من الجماعات الإرهابية والمليشيات الخارجة عن القانون، ونجحت القوات الليبية بعد مرور أقل من شهرين على العملية العسكرية في السيطرة على مطار طرابلس الدولي،و مناطق غربي وجنوبي العاصمة طرابلس، من بينها الزهراء والساعدية وعين زارة.

وجاءت هذه الحملة العسكرية على طرابلس بعد نجاح قوات القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر في استعادة السيطرة على معظم المدن شرقي ووسط ليبيا مثل :طبرق والبيضاء والمرج وبنغازي وإجدابيا والكفرة، فضلاً عن سيطرته على مدينة درنة (شمال شرق ليبيا) في الـ 29 من يناير الماضي.

والآن بعد مرور حوالي 55 يوماً على عملية حفتر لاستعادة غرب ليبيا من المليشيات المسلحة، استلمت القوات المسلحة المصرية، هشام عشماوي أخطر العناصر الإرهابية التابعة لتتظيم القاعدة في مدينة درنة، ووصل أمس إلي القاهرة للتحقيق معه في الجرائم الإرهابية المنسوبة إليه والتي نفذها عبر الخلايا الإرهابية التي شكلها في ليبيا في عام 2015، بعد هروبه من سيناء أثر خلافات فكرية وعقائدية مع تنظيم داعش .

وتعد لحظة تسليم "عشماوي" للسلطات المصرية، القشة التي قسمت ظهر البعير، فأبا عمر المهاجر كما أطلق على نفسه ليس عنصراً عادياً ولائه للقاعدة، بل كان من أبرز القيادات العسكرية التي تدير الفروع التابعة للقاعدة في ليبيا ومصر، ما يمثل القبض عليه حياً بمثابة كنز معلوماتي لجهات التحقيق المصرية، قد يمكنها في القريب العاجل من النجاح في كشف أسرار عن الخلايا السرية التي تم تشكيلها بواسطة التنظيم وتنتشر في عدة محافظات مصرية بغرض زعزعة الاستقرار.

وفي السطور التالية.. يمكننا رصد خريطة الخلايا التي شكلها عشماوي في ليبيا وكشف ساهمت درنة في صعود نجم عشماوي كزعيم لجماعة "المرابطين" الإرهابية.








تصاعد نفوذ القاعدة في ليبيا

بعد اندلاع الثورة الليبية في 15 فبراير 2011، تشكلت العديد من المليشيات المسلحة في البلاد، والذي قٌدر عددهم مايزيد عن 1700 كتيبة مسلحة، وظلت هذه الكتائب المسلحة مهيمنة على العديد من المدن شرقي وغربي وجنوب ليبيا، حتي أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر في مايو 2014 ، اطلاق عملية "الكرامة" ضد الكتائب الإسلامية والمليشيات المسلحة في المدن الليبية، وفي منتصف عام 2017، أعلن "حفتر" نجاح العملية وسيطرته على 80% من مساحة ليبيا. 

ظلت مدينة "درنة" خارج سيطرة حفتر حتى قبيل عام 2019، ما جعلها مرتعاً للتنظيمات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة أبرزها ما يسمي مجلس شوري مجاهدي درنة الذي استطاع تكوين تكتل من عدد من الفصائل المسلحة ذات التوجه الإسلامي في مدينة بنغازي والبيضاء وقاموا بمحاربة تنظيم داعش في أغسطس 2015 ، بعد إعلان جماعة تابعة له تطلق علي نفسها "مجلس شباب الإسلام" في 3 أكتوبر 2014، سيطرتها علي مدنية درنة وإعلانها ولاية "إسلامية". 

وهذه ليست السابقة الأولي، لخروج مدينة "درنة" من معادلة السيطرة الأمنية للقوات النظامية، حيث شكلت الطبيعة الجبلية للمدينة بيئة مناسبة لتمدد نفوذ التنظيمات الجهادية، وإنشاء معسكرات لتدريب المقاتلين علي استخدام كافة أنواع الأسلحة والمعدات الثقيلة، وعلى مدار العقود الماضية ، اشتهرت بأنها أكبر معاقل للتيارات الجهادية أبرزها الجماعة الإسلامية ( تأسست في منطقة حدودية بين باكستان وافغانستان عام 1990، وقامت ببناء خلايا نائمة لها داخل ليبيا) في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

وكان يطلق عليها العقيد الراحل معمر القذافي "الإمارة الإسلامية"، وفرض عليها حصاراً إعلامياً وشجع في ذلك الوقت الفكر الصوفي للأنتشار في المدينة لمحاربة التنظيمات الإرهابية، ولكن جميع جهوده فشلت، واستمر العنف بالبلاد عن طريق الخلايا النائمة للجماعة المقاتلة والتي تركزت في المدينة أنذاك، واستقر الوضع بالمدينة بعد اتمام مصالحة بين قيادات الجماعة المقاتلة ونظام القذافي، بعد إعلان الجماعة عن مراجعات ومبادرات لوقف العنف عام 2007. 

وسرعان،ما تخلت الجماعة المقاتلة عن مبادرتها وعهدها بوقف العنف، بعد الثورة الليبية ومقتل العقيد الليبي في أكتوبر 2011، حيث نشط مليشيات الجماعة في مدينة درنة مرة أخري، وشكلت مع عدة كتائب مسلحة ما يعرف بـ مجلس شوري مجاهدي درنة"، والذي تم تأسيسه في 12 ديسمبر 2014، كمحاولة لحماية المدينة وعدم الخضوع لسيطرة حفتر بعد إطلاقه ما يسمي بـ عملية الكرامة. 

وتعد كتيبة شهداء أبو سليم ( أسسها سالم الدربي في فبراير 2011 والذي تم قتله اثناء الاشتباكات مع داعش في يناير 2015) وكتيبة البتار ( تشكلت من الليبيين العائدين من القتال في سوريا)، وجماعة أنصار الشريعة ( تأسست علي يد محمد الزهاوي في مطلع عام 2012)، من أشهر الكيانات التي انضمت تحت لواء مجلس شوري مجاهدي درنة، واشتهروا بعدائهم الشديد لحفتر، فضلاً عن انتمائها فكرياً للسلفية الجهادية. 

وشكل المجلس نقطة التجمع لكافة العناصر القاعدية الهاربة من بلادهم أو من المدن التي سيطر ت عليها قوات حفتر، حيث انضم للمجلس العديد من المصريين المتأثرين بفكر القاعدة وحتمية انتقال الجهاد لمصر وقيام عمليات ضد النظام الحاكم، ولصعوبة خلق بؤرة للتنظيم في مصر نتيجة القبضة الأمنية، فكانت ليبيا الوجهه المثالية لهذا العناصر التكفيرية، ووفر "شوري المجاهدين" لهم الدعم العسكري واللوجستي اللازم لانتشارها وتكوين خلايا منفصلة. 

صعود نجم "عشماوي" في درنة

استطاع كلاً من هشام عشماوي (الضابط المفصول من الجيش المصري عام 2015) وعمر رفاعي سرور ( والده رفاعي سرور أحد أبرز منظري السلفية الجهادية ) وعماد عبد الحميد (الضابط المفصول من الجيش المصري)، بمساعدة "شوري المجاهدي" تشكيل ما تسمي جماعة المرابطين ( المنتمية فكرياً لتنظيم القاعدة) والتي تتخذ من مدينة درنة مقراً لها، وبعد تدشين ما تسمي "المرابطين" وتكوين قاعدة ثابته لهم، توجهت أنظارهم لخلق خلايا تابعة لهم في مصر، حيث اسسوا ما يعرف باسم أنصار الإسلام بقيادة عماد عبد الحميد وبعض العناصر التكفيرية الليبية في اغسطس 2016، والتي تم القضاء عليها في في أكتوبر 2017 بمنطقة الواحات البحرية ( تبعد حوالي 365 كيلو متر عن محافظة القاهرة). 

واشتعل الصراع بين "شوري المجاهدين" ومصر بعد حادثة قتل مجموعة من الاقباط في محافظة المنيا يوم الجمعة الموافق 26مايو 2017، بواسطة مجموعة من المسلحين أثناء توجههم إلي دير الأنبا صاموئيل، بعدها أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن القوات الجوية المصرية قصفت معسكرات تابعة للمجلس في درنة، وسميت هذا العميلة بالثأر لشهداء المنيا. 

رغم عدم مسؤولية "مجلس شوري المجاهدين" عن الحادث ونفيه تنفيذه، فضلاً عن إعلان تنظيم داعش الإرهابي عبر وكالة أعماق (أحد الأذرع الإعلامية للتنظيم) مسؤوليته رسمياً عنه، ولكن يبدو أن الصراع بين شوري المجاهدين ومصر، له أبعاد أخري غير الحادثة الإرهابية، جانب منه، متعلق بالمصريين المنضمين للمجلس والذين شكلوا بدعم منه جماعات إرهابية يقودها إرهابيين مصريين ويتاخذون من درنة مقراً لمعسكراتهم، فضلاً عن وضع هؤلاء الإرهابيين وأبرزهم هشام عشماوي مصر نصب أعينهم وسعيهم المستمر لتكوين لخلايا جهادية تابعة لهم في مصر لتنفيذ عمليات إرهابية ضد النظام الحاكم وقوات الجيش والشرطة، مستغلين قرب مدينة درنة من الحدود المصرية لتنفيذ مخططاتهم. 

واستطاعت القوات المصرية في 26 مايو 2017 تفكيك العديد من التنظيمات الإرهابية التي على صلة بالقاعدة في ليبا، عقب شنها ضربة جوية على معسكرات مجلس شوري المجاهدين في درنة حققت نتائج ايجابية بتدمير أحد معسكر التدريب الخاصة بالمجلس وهو معسكر أبو سليم، فضلاً عن إعلان ما يسمي تنظيم أنصار الشريعة حل نفسه. 




هل يؤثر تسليم "عشماوي" على القاعدة؟ 

رغم أن القبض على عشماوي يعد بمثابة ضربة أمنية كبرى للخلايا والمليشيات الإرهابية التابعة للقاعدة، إلا أن ذلك لن يخفف من وطاة التواجد للمليشيات المسلحة في ليبيا وتحديداً في مدينة درنة والتي قد تبقي المعقل الأساسي للتنظيمات التابعة للقاعدة نظراً لاستمرار الصراع في ليبيا واستمرار تقاسم السلطة بين المشير حفتر من جهة (الذي يسيطر على شرق وجنوب ليبا)، وبين حكومة الوفاق بقيادة السراج (الذي يسيطر على غرب ليبيا).

 

علاوةً على ذلك، عدم الاستقرار في ليبيا واستمرار التنازع قد يتسبب في استمرار انتشار  الخلايا غير التنظيمة والمرتبطة فكرية سواء بالقاعدة أو داعش في غرب ليييا، خاصةً في ظل  انتشار "ثقافة حمل السلاح" في المجتمع الليبي، حيث أصبح أكثر من 125 ألف ليبي يحملون اسلحة ما بين خفيفة وثقيلة، ما يشكل صعوبة بالغة على القوات النظامية حيث أصبحت ليست الطرف الوحيد الذي له حق استخدام القوة بل هناك أطراف أخري تجد نفسها أنها لها الحق في استخدام القوة ضد الأخر علي اعتبار أنها شاركت فيما يسمي التحرر الوطني والقضاء علي نظام القذافي.

أما بالنسبة لمصر، فالمعادلة تختلف كثيراً عن ليبيا، فسقوط "عشماوي" بقدر ما يعد انتصاراً لقوات الأمن لقدرتها على تفكيك الخلايا التابعة للقاعدة خارج البلاد وتحديداً التي كانت على صلة بعشماوي في ليبيا، وحصولها على معلومات قد تزيل الستار عن قيادات أو عناصر غير معروفة لايزال نشاطها الإرهابي مستمر في البلاد من أجل زعزعة الاستقرار، إلا أن ذك من ناحية اخري لن يشكل فارقاً كبيراً في معادلة الجماعات الإرهابية المرتبطة بداعش في مصر والتي تشكل التحدي الأبرز حالياً لقوات الأمن المصرية.